الــشـــعــــر والــجـــنــــس

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
17/01/2010 06:00 AM
GMT



قد يبدو ثنائي "الشعر والجنس" غريبا وان الاثنين ليسا على وئام، الحقيقة التي كشفها الزمن تظهر انهما شريكان حميمان. وان الشعر استطاع ان يتغلغل كثيرا في مملكة الجنس ويكشف الكثير من عوالمها وكانت موضوعة الجنس مطواعة مرحبة في تقدم هذا المكتشف ذي المجسات النافذة والدقيقة.

اما جمهور الناس، على اختلاف مستواياتهم وشعوبهم، فكان يستجيب لهذه الكشوفات ويرتاح لما يطّلع عليه منهم. ودائما يُقبل عليها بلهفة وبتشوق للرؤية أكثر.
والمسألة هنا تبدو جد طبيعية، فما يشغل الفضاء بين الرجل والمرأة، ويصل بينهما، هو الجنس. وما يكشف عن مباهج الجنس ومتاعب طريقه هو الشعر. لهذا كان للشعر دور مهم لانه يوسع من مدى الجنس ويرفع من قيمته فيما هو  يؤكد ويعمق مغزاه. وهذا دور ذو تأثير في الحياة البشرية ووجودها.
قد ترد في الاشعار شكوى او ندم، مما نقرؤه في كتابات عدد من الشعراء. لكن في طيات هذه الشكوى رغبة في المزيد من الجنس ورغبة ثانية في احوال افضل، ومسعى لازالة المعترضات من ظروف او قوانين.
ولذلك فنحن لا نرى "جون دن" جادا حين يقول في سنة 1590:
أعرف اني أحمق مرتين
مرة حين أحببت
ومرة لأني نائحا كتبت الحب.
فقد رأت الدراسات من بعد ان مغامرات حب هذا الشاعر لم تكن مبكية ولم يكن هو نائحا.
كما ان كثيرا من الحبيبات كن ممتنات لعشاقهن الشعراء الذين كشفوا ببراعة وجمال عن التفاصيل المشتركة في التجربة العاطفية.
وتعقيباً على قولٍ للنجمة السينمائية ماي ويست Mae West : "عادة ما يكون الرجال كثيرو الكلام في الجنس قليلي، او نادري الوصول اليه، واذا ما أرادوا التجربة فغالبا ما تسأم منهم شريكاتهم.."
نعم هذا صحيح بالنسبة للرجال العاديين كثيري اللغو في الجنس. وكلامهم عادة ما يكون عابرا لا قيمة له. هذا غير الشعر، الشعر يمنح التجربة الجنسية تكريما ويمجدها بكشف: أنواع" مباهجها.
وهنا يستحق الشعراء الثناء لانهم يمنحون الجنس الفاني، العابر، مسحة بقاء، لمسة تخليد وينقلونه من الآن الى الأبعد.
وقراء شعر الجنس او شعر الحب، وكتّابه يجدون متعا ومباهج في الجسد اكثر من العاديين. الشعر يمنح فعل الجنس أبعاداً لا زمنية ويجعلنا نتأمل التجربة ونمارسها ونحن نسعد بجميع صورها. بإيجاز، هم يوسعون التجربة، يمنحونها آفاقا جمالية وحسية فلا تبقى في ضيق تجربة "اللحم" او "الجسد" وحدها.
نحن نعلم ان معظم الشعراء عربا او أجانب كتبوا قصائد في الجنس، وقد يسمونها، تعففا، قصائد حب، ونعلم ان ويتمان كتب وقبله كتب ابولينير ولوركا وماتشادو وقبلهم شكسبير. لكن بودلير هو الأكثر وضوحا في القرن التاسع عشر. كما انه الأكثر قوة ومباشرة في شعره الجنسي وربما هو الأكثر تطرّفا في التجربة الجنسية، وان لم يكن الأوسع معرفة بها.
تجربة بودلير اكدت على التمتع الحسي في الجسد الانثوي، وألغت تفاصيل اللون والمكانة الاجتماعية.. لكنها، وثائقيا، ليست دقيقة. فقد كتبت "ايثرستاركي" مؤلفة كتاب "بودلير" (1957م) بان دراسة القصائد الايروتيكية لبودلير، توحي بالقول بان معظم الملذات الجنسية التي تلقاها كانت من خلال تأمل خيالي، إحساسات تصاعدت حتى صارت أعضاء.."
وجين دوفال "عشيقته السوداء، تقول عنه:
"انه كان مجنونا مهذبا غير مؤذٍٍ
يبدد عاطفته بجعلها شعرا..."
بعض الشعراء، مثل بعض الناس العاديين، لا "ينجز" التجربة بالقوة التي يصفها. لكنهم مع ذلك طموحون في تجربة اغنى وأوسع، وكما تريد مخيلتهم او كما يتمنون.
في دعوات "جون دن" الذي اشرنا اليه، دعوات ساخنة وكشف لمغامرات وهو يخاطب بقصائده حبيبته "آن مور" التي كتب فيها قصائد حبه. امرؤ القيس الجاهلي عندنا، كشف مغامرة فريدة مع امرأة وفي بيتها. وما يعطي مغامرته الجنسية في اجواء الحذر، دلالة مفيدة اليوم هي ان "فاطم" تلك لم تكن صبية، ولكنها كانت زوجة واما وهو يصفها علنا بـ مُطفل!
أهمية هذه القصيدة، انها تتناول الجنس حبا وارضيا، هي ليست من تلك القصائد التي سبقت ولا تلك القصائد اللاحقة التي حرفت التجربة عن مسارها لتتحول العشيقة الى "الهة" او "ملهمة" او "خيالا" والتي يكتسي جسد العاشق فيها زهوا بـ"عِفة" أظنها سخيفة. مثل قصائد العذريين عندنا، او تلك التي يقدمها "هريك" (القرن السابع عشر)، والذي يكتب بتفاهة رجولية كاملة، واثر قصيدة استمناء جنسي قصيدة بعنوان هيبريدس (1648) تنتهي بهذين البيتين:
فوكند ملهمته كانت
وحياته عفيفة كانت.